عاجل: الرحلة السعودية السرية نحو الفساد الصفري… كيف تحولت النزاهة إلى سلوك تلقائي في المجتمع؟
الفساد الصفري بات اليوم توجهاً استراتيجياً طويل المدى للمملكة العربية السعودية، لا مجرد مثال مثالي مجرد من الأخطاء. فهو يرتكز على تعزيز النزاهة كسمة أصيلة في هوية المجتمع، تنعكس بشكل طبيعي على القرارات والممارسات اليومية.
يرى المتخصصون أن الأنظمة ترسم الحدود، لكن تحويل احترام هذه الحدود إلى سلوك تلقائي لا يحتاج رقابة دائمة يتم عبر الوعي والثقافة. وفي المجتمع السعودي، لا تعد النزاهة قيمة طارئة، بل هي امتداد لقيم دينية وثقافية ووطنية راسخة قامت على العدل وحفظ الحقوق وتحمل المسؤولية.
ويحذر خبراء من أن المخاطر لا تنبع دائماً من المخالفات الكبرى، بل غالباً ما تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يُتهاون بها تدريجياً حتى تصبح مألوفة وقابلة للتبرير. تجاوز يُغض عنه الطرف مرة قد يتطور مع الوقت إلى ممارسة اعتيادية لا يراها البعض إشكالية، وهذا التعايش مع سلوكيات تبدو هامشية يؤثر تراكمياً على العدالة والثقة وجودة الحياة.
وتعد "القبائل الوظيفية" - حين تتحول العلاقات الشخصية أو المصالح الضيقة إلى عامل مؤثر في الفرص أو التعيينات على حساب الكفاءة والجدارة - أحد أبرز صور هذه الممارسات. خطورة هذا النمط تكمن في أنه يغذي نفسه ويتوسع تدريجياً، وتتشابك مصالحه حتى يصعب تفكيكها، ويتسلل بهدوء تحت غطاء الصلاحيات ليعيد تشكيل الثقافة المؤسسية شيئاً فشيئاً.
وينتج عن هذه الممارسات تراجع الحافز لدى الكفاءات المتميزة حين تشعر أن معايير الجدارة لم تعد واضحة. استمرار بعض التجاوزات دون معالجة، أو تغليب العلاقات على الكفاءة، قد يولّد إحباطاً أو تعايشاً سلبياً مع الواقع، مما ينعكس سلباً على بيئة العمل والثقافة المؤسسية.
لهذا، تشير تقارير إلى أن الأنظمة وحدها لا تكفي ما لم تُصاحب بجهود مستمرة لبناء نماذج قدوة وترسيخ سرديات تربط النزاهة بالكفاءة والمسؤولية والثقة. المجتمعات تتأثر بما تراه متكرراً في مؤسساتها وبيئات عملها وإعلامها بقدر تأثرها بالأنظمة والتشريعات.
وتتملك المملكة اليوم مقومات قوية لتعميق هذا التوجه، في ظل التقدم الملموس في الحوكمة والتحول الرقمي ورفع كفاءة الخدمات وتعزيز الشفافية. هذه التحولات تمتد لتعزيز الثقة وكفاءة الأداء وتحقيق عوائد أعلى في مختلف القطاعات.
ولذلك، فإن مرحلة ما بعد 2030 لن تكون امتداداً تقليدياً لما قبله، بل مرحلة تتعمق فيها المكاسب الوطنية وتتسع آثارها، بما في ذلك ترسيخ النزاهة كسمة أصيلة في هوية المجتمع السعودي تنعكس على السلوكيات والبيئات المؤسسية. النزاهة لا تحافظ على الموارد المالية فحسب، بل تمتد آثارها إلى الثقة العامة والعدالة وتكافؤ الفرص وتسارع التنمية.
وأخيراً، يرى الخبراء أن الطريق نحو الفساد الصفري لا يبدأ من الأنظمة فحسب، بل من تعزيز النزاهة وجعلها قيمة حية وفاعلة في الوعي والسلوك والممارسة اليومية، حتى تتجلى كسمة أصيلة في هوية المجتمع وتطلعاته المستقبلية.
سيتم تحسين تجربتنا على هذا الموقع من خلال السماح بملفات تعريف الارتباط